مسرح العبث بين تهشيم النص والاحتفاظ بسطوة المؤلف


ايسكريمكتب "تابعت الندوة : مروة فتحي- القاهرة
اختتمت الندوة الرئيسية التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية أعمالها صباح أمسس بالمجلس الأعلي للثقافة ، ناقشت الندوة في جلستيها الأخيرتين مسرح العبث ومسرح ما بعد الحداثة وموقع الكاتب في مسرح الصورة وشهدت الندوة مناقشات ساخنة .
** أقرأ المزيد **
استهل الندوة عميد المعهد العالي للفنون المسرحية الكاتب والناقد الدكتور أحمد سخسوخ بحث بعنوان مسرح العبث بين تهشيم النص والاحتفاظ بسطوة المؤلف أكد فيه أن مسرح العبث كان أهم الاتجاهات المسرحية التي تبلورت في منتصف القرن الماضي ، وقد تحول اليوم إلي اتجاه تقليدي في المسرح ، إذ لا يوجد كاتب مسرحي اليوم لم يتأثر برؤاه الفلسفية وبعناصره التقنية .
ويعبر هذا المسرح عن نظرة الكتاب العدمية التي ورثتها من الفلسفات اللاعقلية ، والتي بدأت لدي كيركجارد في القرن التاسع عشر حتي سارتر في أربعينيات القرن العشرين ، مروراً بهوسرل ويتسبرز وبرجسون وهايدجر وكامي وغيرهم من الفلاسفة المثاليين ، وقد شكلت فلسفاتهم الأرضية الفلسفية لكتاب العبث ، كما انعكست هذه الفلسفة علي التيارات الفنية منذ جاري في نهاية القرن الماضي وتيارات القرن العشرين حتي إنشاء الكلية الباتافيزيقية في نهاية أربعينيات القرن الماضي في محاولة لإحياء ذكري ألفريد جاري ، حتي أعطت اتجاه العبث ملامحه الفنية في منتصف القرن العشرين وأضاف أن مسرح العبث تبلور في خمسينيات هذا القرن ، وارتبط بأسماء أوجين أونيسكو ، صوميل بيكت وأداموف وغيرهم من الكتاب المسرحيين .
وفي ورقته مسرح ما بعد الحداثة مسرح مؤلف أم مسرح مخرج حاول الكاتب والشاعر والناقد اللبناني بول شاؤول رصد الممهدات الأساسية التي هزت عرش النص وشككت فيه والتي قامت علي أيدي المخرجين باعتبار أن الثورات الأساسية التي أصابت موقع النص ودوره في العرض هي ثورات مخرجين وأكد شاؤول أن المسألة الأساسية أن المسرح اليوم ، لا سيما المسرح العربي ، مهدد بفقدان استقلاليته ، من خلال الاستمرار في تراجع دور النص ، وتالياً دور المخرج ، والممثل لصالح التقنيات والإكسسورات ، أو العروض الإبهارية ، والجماليات المجانية ، ولهذا نري وقد دأبنا علي الكتابة في هذه المسألة منذ أكثر من عشر سنوات أن الصرخة التي أطلقت في أفينيون تخوفاً من الإمعان في إضعاف الدراما ، أمام طغيان الصورة المجانية ، قد تصلح لأن تكون إشارة إلي المخاطر التي تهدد المسرح برمته .
فالمسرح الحديث ، انطلاقاً من ثوراته ، أبقي كل الاقنوم الثلاثي للمسرح المخرج وإن طغي ، والنص وإن انتهك ، والممثل وإن تقلب بين الأدوار والمواقع ، لكن يبدو أن مرحلة ما بعد الحداثة إذا صحت العبارة تحتاج خصوصية المسرح وتنسبه إلي فنون تفترسه ، وإلي تقنيات تلغيه ، تحت مسمي الصورة وتحت مسميات تجاوز المسرح القديم وهذا يعني العودة إلي تقديس النص أو تقديس المخرج ، بقدر ما يعني الاستمرار في كون النص مشروعاً منفتحاً بلا حدود ، والمخرج في دائرة حية من البحث المستمر ، وتعميق المفاهيم ، والتجارب ، والعلاقة بالخشبة والجمهور والكلمة وسائر الفنون ، يعني أن يبقي نصب عينيه أنه مخرج مسرحي ، وليس موضب مشاهد وملفق مشهديات ، وصانع أشكال ، مجرد أشكال وحركات ، يمكن أن تنسب إلي أي شيء ما عدا المسرح .
وقالت البولندية بوجينا سافيتسكا يمكن لنا الاعتقاد بأن مسرح زمننا المعاصر قد طور من لوحة تباينت فيها الألوان والقدرات والوسائل والأدوات ، وأن ما سوف يحدث في المسرح ، سيكون فقط مجرد نسخ متكرر لكل ما قدم في هذا لامجال ، ولكن الحظ حليف المبدعين المسرحيين ، لأن القوي الإبداعية للمبدعين لا تنضب وبلا حدود ، من هنا فنحن نشعر بدهشة التلقي، ونحن نلاحظ مؤلفين مسرحيين ، ومخرجين ، وممثلين ، يمثلون رؤي جديدة للواقع الحياتي ، ويكونون قادرين علي إحالتها إبداعاً بلغة الفن ، المسرح يمنح تبادل الخبرات والتجارب من بين المبدعين بحرية كبيرة ، وهو علي وعي بتأثيره الفوري وذوبانه في وجدانات المتلقي ، ويبقي المسرح بهذا المعني سراً غير مكتشف ، تماما مثل الخيال الإنساني الذي يمكن الإفشاء بسر وجوده .
في أمسية من الأمسيات بباريس ، كان جوردون كريج Gordn Craig يترك العنان لخياله ، وهو متواجد مع مجموعة من الأصدقاء قائلا : فلنشيد معاً سفينة ، مقتفين آثار الأرجونيين - argnauci الإغريق مبحرين من جزيرة إلي جزيرة ، وسنبحر معاً إلي مسرحنا السري غير المكتشف الباحث عن الحقيقة . وأكد المخرج العراقي جواد الأسدي أنه في الحياة المسرحية العربية جري تحطيم كل المنجز الإبداعي للإرث العالمي علي يد مراجع الرموز الفنية السلعية التي وضعت النص الاجتماعي ومجتمع النص في أحط صوره ، مروجين كتابة مسطحة ، عقيمة ، تستعمل الناس في آلامهم الكبري استعمالاً دونياً هدفه تسفيه حياتهم تحت لائحة الجمهور يريد هذا .
وتساءل أين صلاح عبد الصبور ونجيب سرور ، صلاح جاهين وسعد الدين وهبة في المشهد المصري اليومي ، أين تلك النصوص في حياة المتفرج الحالي ، أين تلك الصرخات المدوية للحلاج وليالي الحصاد ، ونصوص صلاح جاهين وسكة السلامة ، أين تلك الثقافة الأصيلة في النصوص التي حولت المنصات والإنسان المصري إلي حالة فذة من كشف الألم والنزعة نحو الحرية والأمل بحياة ساخطة ! إن مقارنة تلك النصوص المثمرة ، الفنية في كتابة وجع الإنسان المصري مع ما أنتجه كوميديو مصر في نصوص وعروض تصور الإنسان المصري في أخطر حالاته تجعلنا في مفارقة قاتلة .
والأمر لا يختلف في البلدان العربية الأخري ، موت وهزيمة للمسرح الاجتماعي الإنساني ، وصعود للفئات المتاجرة بالمسرح ، وكأنما وجدت المؤسسات العربية الرسمية حلفاءها الشرعيين في هذا النوع من النصوص والعروض المسطحة ، التي تتسق مع نظرتهم الثقافية الشمولية ، الاستبدادية التي تقوم علي قتل البذرة الخلاقة علي المسرح لتروج المسرح الآخر الذي يقوم بطمس معالم الحرية .
وقال الإيطالي جيوليو سيزاربيروني أن الذي كنا نعرفه يوماً علي أنه اللاوعي الجماعي المرتبط بثقافة معينة أصبح الآن هوية دائمة التوسع والتغير ، وتماماً مثلما اكتشفنا حقيقة عالمية ، تمتص إلي الثقب الأسود في ذاكرتنا الجماعية حيث يتم تحويلها في بنك ذاكرتنا الثقافية والمتعدد الثقافات حتي نتخذ هويتها المكتوبة والمسموعة والمرئية ، ولأننا دائماً نبحث في منجم مكتبة الإسكندرية الأسطورية عن المعلومات القديمة والنص والأفكار وبينما نأخذ الصور والأفكار نصبح مؤلفين ما بعد الحداثة للمعلومات في شكلها الجديد ، ومثل نموذج مصغر للعالم دائما يتوسع ويبتعد عن مصدره ، فإن مسرح ما بعد الحداثة يحمل داخله الحركة والتغيير الخاضعين لغموض الوجود العالمي عملية الإبداع ولذلك فالتأليف في مسرح ما بعد الحداثة يعرف في الشكل والعلاقة بين المبدعين لمسرحية ما واللغة الفنية التي يستخدمونها لاستكشاف وإفشاء هذه العلاقة .
وعن الفريد جاري وأنتونين ارتو والدعوة إلي تحطيم النص تحدثت الجزائرية ليلي بن عائشة التي توقفت عند مسرح الفريد جاري مؤكدة أن مسرحياته هي البداية الحقيقية لمسرح العبث ومدرسته التي ازدهرت في الخمسينيات مؤكدة أن التجارب المسرحية التي سجلها تاريخ المسرح تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أو الجدال أن المسرح كان فعلاً بحاجة إلي التجديد الذي يبث فيه بين الحين والآخر الحيوية ، فالضرورة الملحة لذلك هي التي دعت عدداً كبيراً من المبدعين إلي رفع شعار التجديد وإلي جانبه شعاراً آخر هو شعار التحدي والإيمان الصلب الذي لا يلين لإعادة البناء من جديد ، فكانت النتيجة تجارب - من بينها تجارب الفرنسيين ألفريد جاري وأنتونين آرتو - وعروض دمرت معاقل المسرح النمطي التقليدي ، وهدت كيانه وأسلمته إلي ماض يبني علي أنقاضه ما يليق بالفنان المبدع والجمهور المتفرج معاً في ثنائية يحكمها التجانس والتأثر والتأثير ، تلك العلاقة الجوهرية الجدلية التي يتم بين الحين والآخر إعادة بنائها وفق مفاهيم ورؤي جديدة وسيظل التجريب قائما إلي أبد الآبدين طالما أن هناك مبدع ومتفرج .
وفي مداخلته ناقش الأمريكي ماكسين كيرن تطور المسرحيات المعروضة المتعددة لديب مارجولين وطبيعة تطورهم وفقا للأهداف والخبرات وكاتب المسرحيات الأصلي والممثلة والعرض المنفرد ، بداية بخلفية ما رجولين وتدريبها ككاتبة ، هذا المقال سيقدم كتاباتها الأولي واهتماماتها الكتابية ، وستتضمن أيضا مناقشة حول نفوذها الكتابية الأولي ومكانتها ككاتبة في العالم اليوم ، المقال سينتقل من النظرة التقليدية للكتابة القصصية إلي أسلوب الكتابة المسرحي حيث إنها تشكلت بالعديد من النفوذ ، بداية تزاملها مع سبيلت بريتشيز ، في النهاية ، المقال سيتتبع بعد ذلك حركة كتابتها من شكل المسرح الساخر إلي صوت شخص عميق وخيالي ذي موهبة شعرية وخبرة وهوما فجر رواية قصتها إلي علاقة مسحورة بين هذا الكاتب ومشاهديها في أعمال حالية مثل ، عودة الصياد إلي الوطن ، و ثلاثة مؤيدين في الجزيرة ، و فهرس للمصطلحات .
وعن بيكيت وكولتس كنموذج للاطاحة بالتقاليد وما بعد العبث وما بعد الدراما تحدث المغربي الدكتور يوسف الريحاني قائلا ثمة كتابات ونصوص مسرحية تعيش بيننا ولا تتمتع بخاصية المركزية .. تتجاور مع غيرها من النصوص المألوفة وتبدو وكأنها لا تختلف عنها في شيء ، ومع ذلك فهي تختلف معها في كل شيء .. تكاد تكون خصوصية ما .. هذه النصوص عادة ما تولد مجهولة يتيمة .. بلا هوية .. لأجل ذلك تصر علي خداعنا ... خلخلة كثافتنا التأويلية ، جاذبيتها نابعة من غرابتها من كثافتها وتقعيرها .. من تلويثها لكل شيء .. كتابات ضد النقاء .. نقاء الأصل ... روابط انتماؤها إلي جذور ما تكاد تكون جد هشة ، انتماؤها الأجناسي للمسرح غير ثابت إن لم يكن غامضاً وغير مستقر .. إنها مسرح لا أحد أو مسرح الجميع .
مثل هاته الكتابات تستخف بالعالم .. لا تدعو إلي عقيدة أو إيديولوجيا .. تتقن فن الخلط والطمس .. لا تقوم علي نظام محدد ولا تريد أن تقدم حلولا نهائية .. في هذه النصوص قد لا نجد سوي معارك افتراضية مثل معركة الزنجي والكلاب لكولتيس Koltes وافتضاض بكارة روبيرطو زوكو الرصيف الغربي ، لكولتيس أيضا، و مصادفات دون أن تكون مصادفات .. رجل المصادفة ، اجتياز الشتاء لياسمينا رزا ، وبورتريهات كالحة .. صورة امرأة لـ : ميشيل قيناقير ونزوعات دفينة ويائسة نحو ماض لن يعود .. شريط كراب الأخير لبيكيت Bekett وإيدز وشذوذ جنسي .. زيارة ثقيلة لـ كوبي Copi وشعور باللامركز .. اختلال .. سقوط واندحار .. شخصيات مكبلة بأغلال الإحباط والشك ، تناسي ما حولها وتظل عاجزة عن التبرؤ منه .. لا يمكنها أن تعود القهقري ، كما ليس في وسعها التطلع إلي المستقبل .. كل ما بحوزتها هو الحاضر ، أن تظل وسط الطريق عاجزة عن الحب أو الكره .. أو عن تغيير أي شيء .. لا مجال أمامها سوي الرحيل .. إلي الداخل أو إلي الخارج .. سيان .. إلي المجهول .
http://194.79.103.179/2005/get_detalis.asp?id_title=311&id_type=2&id_news=36
السبت, 15 رمضان, 1427
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









