› ارتباط الجمهور المغربي، بل المواطن المغربي بصفة عامة، بالفرجة والنكتة، كترويح على النفس، والبحث عن طريقة ضحك يبتعد بها عن روتينية ومشاكل الحياة العادية، علاقة تاريخية كيف يمكنك أن تختزلها كدارس وأكاديمي؟ ›› أحيي فيكم هذا الإهتمام بموضوع الفكاهة، فهو جدير بالدراسة البينية من حقول معرفية مختلفة، ومن المهم بداية التفريق بين الضحك والفكاهة، إذ غالبا ما يتم الخلط بينهما، «رابليه» يعرف الضحك بكونه «خاصية مميزة للإنسان» في حين يحدد الفكاهة كـ«رسالة اجتماعية مقصود منها إنتاج الضحك أو الإبتسام»، فالضحك لوحده لا ينتج بالضرورة الفكاهة، كما يمكن لهذه الأخيرة كرؤية اجتماعية أن تنتج دون ضحك، فقط بالإبتسام والمرح، فالقهقهة ليست شرطا للكوميديا، ولقد قال الكاتب الأمريكي "توماس دبليوجنز «من شدة ألم حياتنا، نحن نعبر ونعطي لحياتنا الفكاهة التي نحتاجها، لكي نبقى أحياء». في المغرب ارتبطت الفكاهة بوسائطنا الفرجوية منذ القدم، وأول شكل فرجوي عرفه المغاربة إسمه "فن البساط" من البسط أي التفكه والمرح، وفن "الحلقة" نفسه اعتمد الفكاهة في قالب الغناء والحكي والتمثيل، وظلت الحلقة تقدم بنجاح حتى ظهور المسرح الحديث في بداية القرن العشرين، وهنا، ينبغي التنبيه إلى أن فكاهيي المغرب في النصف الأول من القرن العشرين كلهم تخرجوا من مدرسة "الحلقة"، فالإسكتش الذي ازدهر في الخمسينيات ظل يحتفظ بنفس خصائص الحلقة (اعتباطية الأداء، فطرية المؤدي، المونولوغات القصيرة، المواضيع ذات البعد الإثني أو العرقي كالعروبي والفاسي والشلح..). ومن هذه المدرسة تخرج القدميري، البشير لعلج ومن بعدهم عبد الرؤوف، وتطورت مع السبعينيات في ظاهرة الثنائيات "الداسوكين والزعري"، "باز وبزيز"، بلقاس وعبد الجبار الوزير"، قشبال وزروال"، ثم انتهت إلى عنق الزجاجة في نهاية الثمانينيات مع "سعد الله عزيز وخديجة أسد" و "وثنائي الصداقة" و"السفاج ومهيول"، و"عاجل وفلان"، لتتحول مع التسعينيات إلى ظاهرة المونولوجيست الفردي، "فهيد، الخياري، جواد السايح.."، ترتكز عليهم أحيانا بعض الأعمال المسرحية، وأحيانا أخرى بعض السلسلات التلفزية، لكنهم يجتمعون كلهم في خاصية واحدة، وهي عدم استيعابهم لجوهر الأداء وأسلوبه في المسرح والتلفزيون، الذي يختلف كلية عن الأداء في الفنون الفرجوية التقليدية كالحلقة مثلا. وإلى جوار هذا المسار الذي أنعته بالفطري، لا يمكن أن نغفل تجربة رائدة تم إجهاضها مبكرا، وهي تجربة "أندري فوازان" في خلق مسرح شعبي يمتح تقنياته من منجزات الكوميديا الفرنسية، مع تحيينها ضمن خصوصيات الفرجة المغربية التقليدية، وكانت سببا في ظهور أعظم فرقة كوميدية في تاريخ مسرحنا الحديث، وأقصد فرقة المعمورة بروادها العظام، هذه التجربة بكل ما حققته من فن راق في ظرف وجيز، وقوبلت بنكران الجميل وحلت بقرار جائر وفي ظروف غامضة سنة 1972 . › ما هو في رأيك السبب الحقيقي لتراجع الإقبال على بعض مشاهد الفرجة المضحكة، من قبيل الحلقة والمسرح والسكيتشات وغير ذلك؟ ›› هذا التراجع حتمي، لكن للأسف، كل هذه المهازل التي تزعجنا في بيوتنا تحت تسميات "السيتكوم، اسكيتش.." ما هي في العمق إلا استمرار للحلقة وأساليبها البائدة في التفكه، لست ضد الحلقة كفن أصيل لعب دوره المنوط به في مجتمعنا القديم، لكن الحلقة اليوم غير قادرة على مواصلة نفس أدوارها القديمة لأن أنماط حياتنا الجديدة، تفرض أنواعا فرجوية جديدة (المسرح، السيتكوم، السينما..) وهي أنواع تمتلك كفايتها النوعية والأسلوبية، بمعنى أن الأداء فيها جد مختلف عما ألفناه في أداء ممثلينا الذي يقوم للأسف على الإفتعال عوض الإنفعال والصدق، ولتحقيق هذا هناك مناهج علمية كفيلة بذلك، أثبتت بأن الموهبة لوحدها لا تكفي. الغريب أن جيل المعمورة استوعب ذلك، في حين يعجز الجيل الجديد اليوم عن ذلك. › لماذا؟ ›› لأن أغلبهم يرفض التحصيل والتكوين المستمر أولا، ويفتقد للعمق الفكري ثانيا، ويفتقر للبحث الميداني ثالثا، لذلك لا غرابة إذا ما جاءنا أحد هؤلاء الفكاهيين الفطريين ليلة حفل الجامور الأخير بالتفكه على دولة إفريقية نفتخر بنضال شعبها ضد الأبرتايد ونعتها بكونها (باركينغ سراق الزيت)، لقد أراد المسكين أن يكحلها فاعمى عيونها بقصوره الفكري، ولا غرابة إذا كان فكاهيون آخرون يتنابزون بألقاب مخلة في حق بعضهم البعض من أجل إضحاك الجمهور، ومنهم من توقف نهائيا عن الإبداع. إن الزمن يتطور ولا يرحم، وكما قال أستاذنا عبد الله العروي "التغير أو الموت". › إذن ألا يوجد مسرح فكاهي "حقيقي" بالمغرب؟ ›› بكل بساطة "نعم"، ليس لدينا مسرح فكاهي ولا نجوم فكاهة قادرون بفنهم على خلق صناعة مسرحية مستقلة بمعزل عن الدعم، عندما نتحدث عن عادل إمام، محمد هنيدي، سمير غانم، محمد صبحي في مصر، أو دريد لحام بسوريا، أو فرقة المسرح السياسي بالأردن، أو المسرح الوطني بتونس.. فنحن نتحدث عن أعمال تجارية يستمر عرضها في قاعة واحدة لستة أو سبعة مواسم متواصلة وبنفس النجاح، فأرباح مسرحية "هنيدي" الأخيرة وصلت 40.000 جنيه مصري في اليوم الواحد. ومؤخرا صرح سمير غانم بأن الشركة المنتجة لعمله الأخير اقتنت المسرح الذي يقدم فيه هذا العمل فقط بأرباح هذا العرض التي حققها خلال ثلاث مواسم. وعروض المسرح السياسي بالأردن وحتى المسرح الوطني بتونس كانت تقتني تذاكرها بأسابيع كاملة قبل موعد العرض. أما في باريز ففرقة (الكوميديا الفرنسية)، فاقت عروضها بمسرحية "حسيل سكابانا" 4000 عرض بكل أنحاء العالم، وما تزال مسرحية "ممنوع الجنس" تقدم بنجاح باهر منذ 92 سنة متواصلة ومسرحية "القطط" في برودواي بنيويورك ماتزال تشهد إقبالا منقطع النظير بعد مرور 33 سنة على إنتاجها، إزاء هذه الأرقام، نشعر بخجل عند الحديث عن مسرح فكاهي مغربي، مازالت أغلب فرقه تلهث وراء دعم وزارة الثقافة، كما لا تتوفر أية فرقة منهم على مقر ثابت أو مسرح خاص، تتواصل من خلاله مع الجمهور، أو منتجين قارين لانعدام المراهنة على أي معدل جماهيري مقبول وثابت ، وجل عروض هذه الفرق لا تقدم لأكثر من موسم أو موسمين على الأكثر، وكلها لم تصل لحد الساعة إلى ما حققته المعمورة في الستينيات، التي زارت بعروضها أقاليم نائية، وحققت إقبالا جماهيريا صادقا، رغم أن سكان المغرب تضاعف ثلاث مرات من الستينيات إلى الآن. › كيف تقيمون ما يعرض حاليا بشاشاتنا التلفزية من إنتاج فكاهي، خاصة عدوى، فكاهات رمضان؟ ›› المقارنات السابقة تؤكد هزالة هذا الإنتاج وضحالته، ولا أدل على ذلك من رد فعل الجمهور، بحيث لم نعد إزاء رفض جماهيري لمثل هاته المهازل المسماة "سيتكوم"، وإنما أصبحنا نعيش في زمن الفضائيات رد فعل مغاير أكثر عنفا وقسوة، ألا وهو اللامبالاة المطلقة إزاء ما يقدم، ناتجة عن انعدام الثقة في الكفاءة المهنية لمزاولي هذا الفن ببلادنا. ومع ذلك يمكنني أن أستثني بعض المحاولات الرامية للتحديث مثل محاولة حنان الفاضلي التي شحذت موهبتها بالتكوين العلمي مما أكسبها قدرة هائلة على تقمص كل الأدوار، لكن مازال يخونها للأسف ضعف النصوص مما يحد من قدرتها على الإبتكار. وعلى العموم، الشروط الراهنة للفعل الفني والثقافي لا يمكن إلا أن تنتج الضعف في الفنون الأدائية، ويكفي أن أذكر بأن المسرح المغربي بعد ريادته السبعينية أضحى اليوم يصنف، وبلا مبالغة، في مؤخرة الصف العربي، ولدي كل الأرقام التي تثبت ذلك مقارنة مع الدول العربية الأخرى .. كيف لا؟ ومبدعو هذا الفن الحقيقيون يعيشون عزلتهم في صمت، ويدعي النجومية كل من هو ناقص.. لقد عبر أحمد الطيب العلج عن ذلك بسخريته اللاذعة بمرارة عند ما صور هذا الواقع بقوله "الحمير كتبورد .. والخيل واقفة". › في رأيك من يتحمل مسؤولية هاته الرداءة؟ ›› الأمريكيون يعرفون الفكاهة بلفظة "the 3ps of humor"، لأنها تبدأ كلها بحرف "p" وهي : الشخص "person أي المؤدي والمتفرج معا، ثم العملية process وتتضمن كل العلميات العقلية والإنفعالية المستخدمة في إنتاج الفكاهة، وأخيرا product وهو العمل الفكاهي في حد ذاته. ويمكن أن نضيف لكل ذلك عاملا رابعا وهو المنتج "producer" وهو الجهاز المنتج للعمل الفكاهي. ولا أغالي إن قلت إن الخلل كامن في كل هاته العوامل، فالممثل الكوميدي المغربي هش في أدائه الدرامي، وأغلب مؤدينا - إلا ما ندر منهم - لا يفقهون شيئا في نظريات التشخيص الحديثة، ونقابة المسرحيين التي طالما جمعت الممثلين لتدارس مشكل الدعم وطرق توزيعه، مع ما نتج عن ذلك من صدامات يندى لها الجبين، لم تكلف نفسها بالمقابل عناء تنظيم برنامج التكوين المستمر لممارسي هذه المهنة التي تسعى هاته النقابة لتكريسه احترافيا.. ولكي يطلع القارئ على مهزلة وضعية التمثيل بالمغرب، يكفي أن يعرف بأن من يمثل الممثلين المغاربة في النقابة الدولية للمثلين، وينوب عنهم في اجتماعاتها، شخص لا علاقة له بالتمثيل، ولم يسبق له أن قام بأي دور مسرحي أو سينمائي، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أننا ما زلنا نعتبر التمثيل مهنة من لا مهنة له. ومما يزيد من حدة الوضع، الإختيارات اللاوطنية لقناتينا اللتين تصران على إنتاج الرداءة بدعوى الإقبال الجماهيري، في حين أن من المفروض في قنواتنا العمومية التي تمول من المال العام، أن تؤثر في أذواق مشاهديها لا أن تتأثر بنزوات بعضهم، خصوصا إذا تعلق الأمر بمبدعين عاجزين عن ترويج إنتاجهم المسرحي بإمكانياتهم الذاتية، فأين هو هذا الإقبال الجماهيري المزعوم؟ ألم يحاول سعيد الناصري ترويج سيتكوم "أنا وخويا ومراتو" في شكل مسرحية تجارية، والنتيجة أن العرض لم يصمد في القاعات سوى ثلاثة أشهر لا غير، أين إذن هذا التجاوب الجماهيري؟
يوسف الريحاني لـ«الأحداث المغربية»: «ليس لدينا مسرح فكاهي ولا نجوم فكاهة قادرون بفنهم على خلق صناعة مسرحية مستقلة»
الاثنين, 01 شوال, 1427
السبت 27 نونبر 2004
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









