س: قال الله تعالى في محكم كتابه (لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه)التوبة:180 ما المراد بهذا المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم؟ ترك الصلاة مع المسلمين بزعم أدائها في الكعبة س: رأيت بعض المتمشيخين المدعين الولاية لا يقيم للصلاة المفروضة وزنا، وسألته: لم لا تصلي؟ فأجاب: إنني غير موفق لهذه الفريضة… ولكني سمعت صديقا لي يحدث بأن قريبا له كان في الحرم المكي يصلي، فلما سلم وجد هذا الشيخ بجانبه. فقال له: من أتى بك ههنا يا شيخ فلان؟ فأجابه: أسألك بالله أن تكتم هذا السر… أرجو أن تبينوا رأي الشرع في ذلك، وهل يمكن من يستخدم الجن أن يحمله خادمه إلى مكة مثلا إذا طلب منه مخدومه ذلك؟ ج: ما كنا بحاجة إلى أن نجيب ببطلان دجل الدجالين، فالله سبحانه حين آذننا بانتهاء الوحي قال: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)المائدة:3 وكمال الدين هو كمال شرائعه وتمام النعمة إنما يكون بسعادة من قسمت له وهذا الرجل الشقي الذي يذكر عن نفسه أنه غير موفق لأداء الصلاة، لا يمكن أن يكون في عداد أولياء الله، إذ ما كان لولي أن يبطل شرائع ربه، وشرط الولاية أن يكون الولي على كمال طاعة مولاه، فكيف يكون تارك الصلاة داخلا في زمرة الأولياء؟ وليس لأحد أن يحكم بمصير مثل هذا الدجال بعد أن حكم القرآن الكريم في محاورة تجرى بين أهل الجنة وبين المجرمين إذ نسمع أهل الجنة: (يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين)المدثر:42،44. س: تناقشت مع أحد الأصدقاء في وجوب الغسل بعد الجماع، فكانت دهشتي أن يقول لي: إنه لا يفهم حكمة لغسل الجسم كله بعد الاتصال بالزوجة، ولذلك يكتفي في بغسل الأعضاء التناسلية فقط في مثل هذه الحالة، وحاولت أن أقنعه فلم يقتنع. ج: الغسل بعد الجنابة فريضة إسلامية ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع. س: هل تجوز صلاة مسلم في كنيسة، إذا لم يجد مكانا يصلي فيه غيرها، كما لو كان في بلد أوروبي مثلا… أفيدونا؟ ج: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، -وذكر في هذه الخمس- فقال: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)(في الصحيحين من حديث جابر) ولهذا تعتبر جميع الأرض مسجدا للمسلم، وموضعا لسجوده وصلاته، يجوز أن يصلي فيه، وإن كان الأولى أن تبعد عن مثل هذه الأماكن خشية الشبهة. ولكن حيث لم يجد مكانا إلا هذا المكان وصلى فيه فكل الأرض لله، وكل الأرض مسجد للمسلمين. وقد كاد عمر رضي الله عنه أن يصلي في كنيسة القيامة حينما قيل له: صل. فقال: لا. لا أصلي هنا حتى لا يأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلى عمر ويتخذون منها مسجدا للمسلمين.فيجعل المانع له هو خشية هذا الأمر فقط لا مجرد الكنيسة. ن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)المائدة:6. بعد سليمان أن يكون له مثل ذلك، وعباد البقر في الهند يمارسون الصيام والامتناع عن الشهوات، ويقبلون على تعذيب البدن وإضعاف قواه بأساليب موروثة من أعماق القدم، فيصل بعضهم في النهاية إلى أمور بدنية خارقة للعادة، فهل نسمي عباد البقر أولياء؟
أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثاني الحرمين للمسلمين.
وأما مسجد قباء فقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجد قباء كعمرة)وقد جاءت هذه الآية تنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم في المسجد الذي بنى ضرارا، مضارة ومناوأة لمسجد قباء. بناه جماعة من المنافقين يتخذونه وكرا للفتن والفساد… وتفريق كلمة المؤمنين، ولهذا نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوم فيه، أو أن يصلى فيه وقال: (لا تقم فيه أبدا)وذلك ليفسد على المنافقين أمرهم، ويحبط مكرهم، وإنما أمره بالقيام والصلاة في مسجده، وفي مسجد قباء، الذي أسس على التقوى من أول يوم فهو أحق أن يقوم فيه.
إن الإيمان في القلب ولكن الإسلام علانية فالمسلم هو الذي يظهر إسلامه للناس: فيشهدون له بموجبه، من أداء الفرائض واجتناب المحارم فهو لهذا يشهد الجماعات، ويحضر المساجد مع المصلين، ليدفع عن نفسه التهمة. ولهذا أوجب الإمام أحمد صلاة الجماعة على كل رجل صحيح مقيم لا عذر له. وسائر الأئمة جعلوها فرض كفاية أو سنة مؤكدة.
وعلى فرض تسليم صحة حادث رؤيته في مكة فإن الإسلام يفرض علينا أن نبني حكمنا على الناس بقياس حالهم على أحكام الإسلام ومدى تحققهم بالطاعة الواجبة لله ورسوله، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تعجلوا بالحكم بصلاحه، قبل أن تقيسوا أمره بكتاب الله عز وجل:
وقد تمت نعمة الله سبحانه على المسلمين الأول لما تحققوا بكمال الانقياد لأحكام دينهم، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويسوسون الناس ويقودون الدنيا… ومثل هذا الدجال بإبطال الصلاة ومخالفة القرآن إنما يشيع في أمته مخالفة ناموس السيادة الذي كنا به يوما من الأيام خير أمة أخرجت للناس، وبمثله تنحط الأمم، وتسقط الفرائض والواجبات، ولن تقدس أمة يسقط فيها الواجب.
وقد كان ابن صياد من هؤلاء الدجالين، وهو دجال كان يعيش في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده عليه السلام، وكان يعترض طريق الرسول، وينفخ بدنه، فإذا بدنه يتمدد حتى يسد الطريق… ولكن ما إن يقترب منه الرسول حتى يتلاشى كل شيء، فما رأي دجالكم المتمشيخ في هذا الذي كذب الرسول وعارضه؟ أيعتبر تمدد جسمه ولاية معارضة للنبوة؟
إن مرجع مثل هذه الحالات الشاذة في الأجسام إلى علم الله سبحانه، ولا دلالة فيها إطلاقا على رضوان الله تعالى، لأنها قد تطرأ على أعداء الله كما هو معروف من حال ابن صياد، وقد أكرم الله أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من أجلاء الصحابة وكرام أولياء هذه الأمة أن تقوم على الدجل الجثماني، فإذا كان لأحدهم حال من تلك الأحوال فهي حال منفصلة كل الانفصال عن السر القائم بين العبد وربه… وهناك حالات كثيرة من حالات امتداد الأجسام أو انتقالها المسافات الطويلة، وبعض الناس ينكرها، وبعضهم يتوقف في الحكم عليها أي في تعليل سرها، إلا أن أحدا من علماء المسلمين أو غيرهم لم يذهب يوما إلى اعتبارها عنوان ولاية الله عز وجل.
أما استخدام الجان في حمل مخدوميهم إلى الأقطار النائية، فذلك أمر اختص به سليمان عليه السلام. إذ دعا ربه: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي)ص:35 وقد أجابه الله سبحانه، ولا ينبغي لأحد
أرجو توضيح ذلك وشكرا.
فمن الكتاب قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا)المائدة:6، وقوله (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا -إلا عابري سبيل- حتى تغتسلوا)النساء:43.
ومن السنة أحاديث كثيرة غزيرة متفق عليها.
وقد أجمع المسلمون من كل المذاهب وفي كل القرون على أن الغسل فرض بعد الجماع والإنزال، وأصبح هذا الحكم من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، بحيث يخرج من أنكره عن زمرة المسلمين، ولا يستحق اسم الإسلام، إلا أن يكون حديث عهد بدخول الإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن مصادر المعرفة في أمصار المسلمين.
أما السؤال عن الحكمة من تعميم الجسد كله بالماء في حين أن الذي أصابه القذر جزء صغير منه، فنحن نقدم للجواب بهذا المثال:
إذا وصف الطبيب للمريض دواء يأخذ منه ملعقة قبل كل وجبة، ودواء آخر يأخذ منه ملعقتين بعد الأكل، ودواء ثالثا يشتمل على حبوب وأقراص يتناول منه عددا معينا في مواقيت محددة. فهل من شأن المريض أن يقول للطبيب: لماذا كان هذا قبل الأكل وذاك بعده؟ ولما أتناول من الحبوب الكبيرة ثلاثا ومن الصغيرة واحدة؟
وهل تتسع مداركه ومعارفه ليشرح له الطبيب الحكمة في ذلك مفصلة، ويقفه على أسرار تركيب الدواء وملاءمته لإزالة الداء؟؟
هذا بالضبط هو ما نقوله لمن يريد أن يعرف أسرار تفاصيل العبادات -ومنها الطهارة والغسل-، فالعبادات -كما قال الإمام الغزالي- أدوية للقلب الإنساني، تشفيه من مرض الغفلة والغرور والنسيان لحق الله تبارك وتعالى. ومن حق الله سبحانه أن يستأثر بسر تركيب هذه الأدوية الروحية، وقد يتفضل فيطلعنا على شيء منها. وحسب المؤمن أن يعلم أنه تعالى لا يصف لنا إلا ما فيه خيرنا وصلاحنا (والله يعلم المفسد من المصلح)البقرة:220.(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟)الملك:14.
وكم من أمور تعبدنا الله بها لم نكن نعرف سرها، ثم تقدمت عجلة الزمن وكشف العلم عما في أمر الله ونهيه من حكم ومنافع.
إن الأصل في العبادات أن تؤدى امتثالا لأمر الله، وشكرا لنعمته، سواء عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف فالعبد عبد، والرب رب، للرب أن يأمر وينهى وعلى العبد أن يسمع ويطيع. ولو كان الإنسان لا يطيع الله إلا فيما اقتنع به عقله المحدود لكان في هذه الحالة مطيعا لعقله لا مطيعا لربه. وليختر المؤمن لنفسه.
ومع كل ما ذكرنا فإن الاغتسال بعد الجماع لا يخلو من حكمة لمن أنصف وتأمل ونظر نظرة أعمق.
ويعجبني هنا ما قاله الإمام ابن القيم ردا على من عجب من تفرقة الشارع بين المنى والبول فأوجب الغسل من المنى دون البول قال:
"هذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإن المنى يخرج من جميع البدن. ولهذا أسماه الله "سلالة" لأنه يسل من جميع البدن، فتأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول.
وأيضا فإن الاغتسال من خروج المنى من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف على البدن ما تحلل منه بخروج المنى وهذا أمر يعرف بالحس.
وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا وكسلا، والغسل يحدث له نشاطا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني حملا.
وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم، ونظرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب.. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر.. ويكفي شهادة الفطرة والعقل بحسنه.. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه".أهـ
أما مشقة الغسل بعد الجماع فهي محتملة، لعدم تكرر الجماع تكرر البول، وكأن هذه المشقة الجزئية جعلت حاجزا أو لجاما يحول بين الإنسان وبين الاندفاع وراء الغريزة، والإسراف في الاتصال الجنسي. وضرر ذلك لا شك فيه.
ويلوح لي سر آخر: إن المؤمن لا يعيش لغريزته وشهواته فحسب، ولكنه يعيش لرسالة الله قبل أي شيء آخر، ولله تعالى عليه حق في كل عمل. وفي الجماع قد أدى حق نفسه وحق زوجه بقضاء الشهوة بقي حق الله تعالى وهو ما يؤديه بالاغتسال. على أن من حكمة الله تعالى أنه ربط نظافة الإنسان بأسباب طبيعية لا يمكنه الفرار منها -كخروج شيء من السبيلين في الوضوء، وكالجماع في الغسل -لتكون هذه الأسباب المتكررة سياطا تسوق الإنسان وإن تراخى وتكاسل- إلى نظافة أطرافه أو نظافة جسده كله.
ونختم هذه الكلمة بما ختم الله به آية الطهارة من سورة المائدة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولك
والله أعلم.
وإننا نحذر الناس من الاغترار بحال هذا الرجل وأمثاله فإنما هم فتنة للناس يستدرجونهم إلى مخالفة الله، ويهونون عليهم ترك أوامره، وهو من أعظم البلاء في الإسلام، وكفى بسيدنا رسول الله وصحابته أولياء، أولئك هدى الله فبهداهم اقتده… والحمد لله رب العالمين.
الاربعاء, 14 ذو الحجة, 1427
ج: المراد بهذا المسجد، إما مسجد قباء الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة، فقد نزل هناك وأسس هذا المسجد وكان هذا أول مسجد أسس في الإسلام، وإما هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فهو أيضا أسس على التقوى من أول يوم، وقد ورد بهذين الأمرين أحاديث صحيحة، أن المسجد المقصود بالآية هو مسجد قباء، وأنه هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تنافي بين القولين ولا بين الروايتين، فكلا المسجدين أسس على التقوى من أول يوم، وكلاهما من المساجد العظيمة المباركة في الإسلام:
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









